هل التطور هو حقيقة أم مجرد نظرية

في الواقع فإنّ التطور هو حقيقة ونظرية في آنٍ واحد. ولكن هذا الجواب يتطلب النظر بعمقٍ أكثر في معاني كلمة «النظرية» و«الحقيقة». الاستخدام اليومي لكلمة «نظرية» غالبًا ما يشير...

في الواقع فإنّ التطور هو حقيقة ونظرية في آنٍ واحد. ولكن هذا الجواب يتطلب النظر بعمقٍ أكثر في معاني كلمة «النظرية» و«الحقيقة».

الاستخدام اليومي لكلمة «نظرية» غالبًا ما يشير إلى حدس أو تكهنات، فيقول الناس: لديّ نظرية حول سبب حدوث ذلك، وغالبًا ما يقصدون استنتاجًا يستند إلى أدلة مجزّأة أو غير حاسمة.

بينما تعريف النظرية العلمية يختلف تمامًا عن المعنى اليومي للكلمة. يشير تعريف النظرية العلمية إلى تفسير موثق جيداً لبعض جوانب العالم الطبيعي التي يتم اكتسابها من خلال الطريقة العلمية واختبارها وتأكيدها بشكل متكرر ، ويفضل استخدام بروتوكول مكتوب ومعرّف مسبقًا للملاحظات والتجارب 1. النظريات العلمية هي الشكل الأكثر موثوقية، صرامة، وشمولا للمعرفة العلمية 2.

المنهجية العلمية

يتم إجراء النظرية العلمية، في الخطوة الأولى، بالالتزام بما نسميه الأسلوب العلمي. المنهجية العلمية تتضمن الخطوات التالية 3:

  1. رصد ووصف ظاهرة.
  2. صياغة فرضية لشرح الظاهرة في صورة آلية سببية أو علاقة رياضية.
  3. استخدام الفرضية للتنبؤ بوجود ظواهر أخرى، أو التنبؤ بنتائج المشاهدات الجديدة.
  4. إجراء تجارب جديدة للتحقق من التنبؤات. إذا لم تؤكد التجارب الفرضية ، فيجب رفض الفرضية أو تعديلها.

كيف تصاغ نظرية علمية

بشكل عام هذه هي الطريقة التي يبتكر بها الناس النظريات العلمية:

قبل طرح الناس نظريات جديدة، تنطبق إحدى الحالات التالية على وضعهم الفعلي:

  1. هناك بعض النظريات الراسخة: في هذه الحالة لماذا يحتاج المرء إلى نظرية جديدة؟ السبب الوحيد هو أن النظرية القديمة لا يمكن أن تفسر بعض الظواهر تقليديا في مجالها الخاص. في هذه الحالة، سيتم اقتراح فرضية واحدة أو بعض الفرضيات الجديدة المختلفة، وسيتم قبول النظرية التي تتوافق مع التجربة كنظرية جديدة. لكن النظرية الجديدة المقترحة يجب أن يكون لها بعض الخصائص الهامة والضرورية:
    أ) ينبغي أن تكون قادرة على شرح جميع الظواهر والتنبؤ بها بشكل تقليدي وبنجاح ما تنبأت به النظرية القديمة.
    ب) ينبغي أن تكون قادرة على التنبؤ وشرح ظواهر جديدة غير مرئية تماما للنظرية القديمة.
    ج) ينبغي أن تكون قادرة على تفسير لماذا لم تكن النظرية القديمة قادرة على تفسير وتوقع الظواهر التي تفسرها وتتنبأ بها النظرية الجديدة.
    كل هذا يعني أن النظرية الجديدة يجب أن تميل إلى النظرية القديمة في الحالات المحددة. وهذا ما حدث لكل من نظريتي النسبية، وكذلك إلى ميكانيكا الكم.
  2. لا توجد نظريات قائمة حتى الآن، ولكن فقط بعض الفرضيات المختلفة: في هذه الحالة سيتم اختبار الفرضيات ضد التجارب وربما في خلفية نظريات أخرى في المجالات العلمية الأخرى. الفرضية التي تتفق مع التجارب وهي الأكثر تماسكاً مع النظريات الأخرى في المجالات العلمية الأخرى ذات الصلة هي النظرية العلمية الراسخة. هذا ما حدث للنظرية الحديثة لعلم النفس التطوري. قبل تأسيس هذه النظرية الجديدة، كانت هناك بعض الأفكار الافتراضية مثل علم النفس الفرويدي والتحليلي أو علم النفس اليونغي. كانت اقتراحات داروين الخاصة في كتبه المختلفة مثل كتاب “أصل الإنسان والتعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان” ، وبعض الأفكار والفرضيات الأخرى التي طرحها الآخرون في خط شرح السلوك البشري بدلاً من مجرد البيولوجيا البشرية، تتراكم على بعضها البعض. بعد حوالي مائة عام من البحث، تم إنشاء مجموعة جديدة من المعرفة حول سلوك الإنسان وسلوك الحيوانات الأخرى، واقترح بعض الفرضيات. إن الأبحاث والتجارب الجديدة والترابط بين الفرضية الجديدة ونظرية البيولوجيا القائمة بالفعل والمبنية على نظرية داروين التطورية قد صنعت نظرية راسخة تسمى علم النفس التطوري (Evolutionary Psychology).
  3. لا توجد نظريات ولا حتى فرضية متشكلة: في هذه الحالة، هناك بعض الأفكار الإيديولوجية التي تتداخل مع بعض الثقافة ما قبل العلمية، والتي لا تزال غير مجربة ومختبرة، سوف تستخدم لتفسير الظواهر الطبيعية والتنبؤ بها. في هذه الحالة، نحتاج إلى بعض الأشخاص مثل غاليليو ونيوتن لإنشاء القواعد ومفهوم ما هي النظرية العلمية. أعتقد أن هذه الحالة الأخيرة مألوفة بالنسبة لمعظم الناس.

السؤال الوحيد الذي يمكن إثارته من خلال كتاب توماس كون، هيكل الثورات العلمية 4، هو التالي:

ماذا لو كانت هناك بعض الفرضيات المختلفة التي يمكن أن تفسر وتتنبأ بنفس الدرجة من الظواهر؟

السؤال الأهم الذي يجب على المرء الإجابة عليه أولاً قبل التعمق في السؤال هو:

كيف يمكننا أن نعرف أن ما يسمى بالفرضيات المختلفة هي مختلفة في هذه الحالة؟

والمثير للدهشة، هو أنه لدينا أمثلة حقيقية على هذه الحالة في الميكانيكا الكلاسيكية والكمية. في الميكانيكا الكلاسيكية، لدينا ثلاثة أشكال مختلفة، كل ذلك يفسر ويتنبأ بالظواهر الطبيعية نفسها: الشكلية النيوتونية، والشكليات اللغرانية، والنظرية الشكلية لهاميلتون. هذه كلها شكليات رياضية مختلفة بدرجاتها المختلفة. مثال آخر هو إعادة التشكيل المختلف لميكانيكا الكم: Schrödinger ، Heisenberg و Feynman اقترح كل منهم إعادة صياغة خاصة لنظرية ميكانيكا الكم. المغزى من الموضوع هو أنه عندما تكون هناك فرضيات مختلفة نجحت كلها في شرح بعض الظواهر الطبيعية فلن يكون لدينا خيار بينها، بل سوف نعتبرها صيغا مختلفة لنفس النظرية.

الحقيقة العلمية

العديد من النظريات العلمية راسخة بقوة، بحيث لا يوجد دليل جديد من المرجّح أن يغيّرها بشكل كبير. على سبيل المثال، لن تظهر أي أدلة جديدة تدل على أنّ الأرض لا تدور حول الشمس (نظرية مركزية الشمس)، أو أنّ الكائنات الحية ليست مكوّنة من الخلايا (نظرية الخلية)، أو أنّ سطح الأرض ليس مقسمًا إلى صفائح صلبة والتي تتحرك على عبر الأزمنة الجيولوجية (نظرية الصفائح التكتونية).
وكمثل هذه النظريات العلمية الأساسية، فإنّ نظرية التطوّر تدعمها الكثير من الملاحظات والتجارب المؤكدة، كما أنّ العلماء واثقون من أنّ المكونات الأساسية للنظرية لن تنقلب بأدلة جديدة.

واحدةً من الخصائص الأكثر فائدة للنظريات العلمية أنه يمكن أن تستخدم للتنبؤات حول الأحداث الطبيعية أو الظواهر التي لم يتم ملاحظتها. على سبيل المثال، توقعت نظرية الجاذبية سلوك الأجسام على سطح القمر والكواكب الأخرى قبل وقتٍ طويل من تأكيدها عبر أنشطة المركبات الفضائية ورواد الفضاء، وتوقع علماء الأحياء التطوريّة الذين اكتشفوا الأحفورة (تكتاليك) أنهم سيجدون أحافير وسيطة بين الأسماك والحيوانات الأرضية في الرواسب التي تعود لحوالي 375 مليون سنة، وأكّد اكتشافهم للأحفورة (تكتاليك) ذلك التنبؤ الذي تمّ على أساس نظرية التطور، وعليه فإنّ تأكيد التنبؤ يزيد الثقة في تلك النظرية.

وفي العلوم تشير كلمة «حقيقة» عادةً إلى الملاحظة أو القياس أو أيّ شكلٍ آخر من الأدلة التي يمكن توقّع حدوثها بنفس الطريقة في ظِل ظروفٍ مماثلة. ومع ذلك يستخدم العلماء أيضًا مصطلح «الحقيقة» للإشارة إلى شرحٍ علمي تم اختباره وتأكيده مراتٍ كثيرة، بحيث لم يعد هناك سببٌ مقنع لإبقاء الاختبار أو البحث عن أمثلةٍ إضافية. وفي هذا الصدد، فإنّ التطور هو حقيقة علمية، ولأنّ الأدلة الداعمة للتطور قوية جدًا، لم يعد العلماء يتساءلون عمّا إذا كان التطور البيولوجي قد حدث وما زال يحدث أم لا، و بدلًا من ذلك فإنّهم يحققون في آليات التطور، ومدى سرعة حدوثه والمسائل الأخرى ذات الصلة.

يقول ريتشارد دوكنز، في كتابه “أعظم العروض على الأرض”:

مجرد نظرية لا تمنح الخلقيين ومنكري التاريخ إلا رائحة زائفة، الذين يحسبون أن كلمة نظرية هي تنازل، وتمنحهم شعوراً بالمنحة والنصر.

 

هوامش

  1. National Academy of Sciences, 1999
  2. Schafersman, Steven D. “An Introduction to Science”
  3. The scientific Method, Harvard University
  4. The Structure of Scientific Revolutions, Thomas Kuhn

شارك برأيك

التصنيف
النشوء والتطور
تعليق واحد
  • الحج الى مكة طقوس وثنية – تنويروبيديا
    9 يوليو 2018 at 3:24
    اترك تعليقا

    […] هل التطور هو حقيقة أم مجرد نظرية […]

  • اترك تعليقا

    *

    *

    مرتبط