كذبة التسامح: نصوص قرآنية أخرجت من سياقها – الجزء الأول

هناك قلة نادرة من النصوص القرآنية التي تتناول الآخر والتي تحتوي على بعض المرونة تجاه الآخر المغاير دينيا. ولكن هناك نصوص أخرى – وهي الغالبة والطاغية – في غاية...

هناك قلة نادرة من النصوص القرآنية التي تتناول الآخر والتي تحتوي على بعض المرونة تجاه الآخر المغاير دينيا. ولكن هناك نصوص أخرى – وهي الغالبة والطاغية – في غاية القسوة والتشنج في الموقف – دنيويا وأخرويا – من هذا الآخر (الكافر) بمحمد وإسلامه وقرآنه.

لنبدأ بالنصوص ذات الموقف الإيجابي من الآخر. ولو أنه لا يوجد موقف إيجابي واحد لا شائبة في إيجابيته، تجاه الآخر (غير المسلم). أما النصوص التي تشتمل على شيء من الإيجابية والانفتاح والتسامح مع الآخر، فهي في جزئ منها إيجابية، لكن سرعان ما نكتشف حقيقة الموقف المتأزم والرافض والمُقصي، إما دنيويا وأخرويا، وإما المتسامِح دنيويا والمتوِّعد أخرويا، تجاه من بدا أن هناك ثمة انفتاحا ومرونة في التعامل معه. هناك إذن نصان، أحدهما تكرر في موقعين، مما يمكن الكلام إما عن نصين، وإما عن ثلاثة نصوص. وهي لا تساوي شيئا يذكر بالقياس على الكم الهائل من النصوص المتأزمة تجاه «الذين كفروا» بدين محمد.

النص الإيجابي الأول المتكرر مرتين، يحصر إيجابيته تجاه ثلاث فرق، يمثلون ما ينعتهم القرآن بأهل الكتاب، أي أتباع الديانات الإبراهيمية فقط، دون شمول غيرهم بهذا الموقف المنفتح نسبيا. فنقرأ في سورة البقرة 62:

«إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالنَّصارى وَالصّابِئينَ مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالحاً فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ».

ونقرأ نصا مشابها في سورة المائدة 69 ألا هو:

«إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالصّابِؤونَ وَالنَّصارى مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالحاً فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ».

سنتجاوز الخطأ النحوي والإملائي المركب في كلمة (الصابؤون). هنا يتجلى موقف إيجابي تجاه المسيحيين «النصارى»، واليهود «الذين هادوا»، والصابئة «الصابئين»، بدرجة مساواتهم مع المسلمين «الذين آمنوا»، إذا ما حققوا الشروط الثلاثة، الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح. وهذا النص هو الأكثر تسامحا في القرآن، فهو يعطي الضمانة لمن استخدم عقليه الفلسفي والأخلاقي، أو لنقل عقله فيما هي (العقلية)، أو (العقل الفلسفي) الحاكم على الصواب والخطأ، وضميره فيما هي الأخلاق أو البعد الإنساني، أو ما يمكن تسميته بـ(العقل الأخلاقي) الحاكم على الجميل والقبيح جمالا وقبحا معنويين. هذا على فرض أن العقل الفلسفي بإمكانه الوصول الى فهم للوجود قائم على وجود الاه وعدل الاهي يفترض يوما آخرا. أما فيما يتعلق بالعقل الأخلاقي، فيتجلى هنا بمصطلح (العمل الصالح)، بعبارة «وَعَمِلَ صالِحًا»، فهو من لوازم الضمير أو العقل الأخلاقي، أو الفطرة الإنسانية. هذا كله لا يحتاج إلى دين. ولكن لماذا حصر النصُّ الطمأنةَ بعبارة «لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنون»، وحصر البشارة بعبارة «لَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم»، في هذه الفرق الأربع (المسلمين، والمسيحيين، واليهود، والصابئة)؟ ربما يقال إن ذكرهم لا يجب فهمه على نحو الحصر، بل من قبيل الأمثلة أو المصاديق على أرض الواقع. بل يمكن أن يشمل المفهوم حتى المؤمنين اللادينيين. ولعل ما يؤيد هذا الفهم ما جاء في سورة الأحقاف 13-14: «إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقاموا فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ، أُولائِكَ أَصحابُ الجنَّةِ خالِدينَ فيها جَزاءً بِما كانوا يَعمَلونَ».

لكن ماذا عن الذي يعمل صالحا وهو غير مؤمن؟

يأتينا الرد في نص النهي عن التعميم والإطلاق هو ما جاء في سورة آل عمران 113 -114:

“لَيسوا سَواءً؛ مِّن أَهلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتلونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيلِ وَهُم يَسجُدونَ، يُؤمِنونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَيَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسارِعونَ في الخيراتِ، وَأُولائِكَ مِنَ الصّالحينَ”.

ويتضح هنا إشكال معيار التقييم الذي هو معيار (الإيمان)، وبشكل خاص (الإيمان) بمعناه الديني، لا بمعناه الفلسفي المتجرد، والمقترن بالعمل الصالح، والذي يشتمل على بعد إنساني عام، إلا أن معياره هو المعيار الديني أيضا، وليس المعيار الإنساني المتجرد، على قاعدة ما يسمى بالحسن والقبح العقليين.

وهناك ثمة نص يمتدح المسيحيين بشكل خاص، ولكنه يذم اليهود، وحتى مدح المسيحيين فهو على ضوء شروط ومعايير القرآن نفسه. فنقرأ في سورة المائدة 82-86:

“لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِّلَّذينَ آمَنُوا اليَهودَ وَالَّذينَ أَشرَكوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ قالوا إِنّا نَصارى، ذالِكَ بِأَنَّ مِنهُم قِسّيسينَ وَرُهباناً، وَأَنَّهُم لا يَستَكبِرونَ، وَإِذا سَمِعوا ما أُنزِلَ إِلَى الرَّسولِ تَرى أَعيُنَهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ مِمّا عَرَفوا مِنَ الحقِّ؛ يَقولونَ رَبَّنا آمَنّا، فَاكتُبنا مَعَ الشّاهِدينَ، وَما لَنا لا نُؤمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الحقِّ وَنَطمَعُ أَن يُّدخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَومِ الصّالحينَ. فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالوا جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها، وَذالِكَ جَزاءُ المُحسِنينَ، وَالَّذينَ كَفَروا وَكَذَّبوا بِآياتِنا أُولائِكَ أَصحابُ الجحيمِ.”

الذي يقرأ هذا النص بدقة يجد – ناهيك عن الموقف المتشنج تجاه اليهود – أن الممدوحين من المسيحيين هنا، هم حصرا الذين اقتنعوا بدعوة محمد، وليس الذين بقوا على مسيحيتهم. فالآية تمدح من المسيحيين أولئك الذين تأثروا بدعوة الإسلام، وصدقوها، واقتنعوا بها، وتفاعلوا وجدانيا معها، بحيث «إِذا سَمِعوا ما أُنزِلَ إِلَى الرَّسولِ، تَرى أَعيُنَهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ»، ويعبّرون عن إيمانهم بالإسلام بقولهم: «رَبَّنا آمَنّا، فَاكتُبنا مَعَ الشّاهِدينَ»، ثم يبررون إيمانهم بقول «وَما لَنا لا نُؤمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الحقِّ وَنَطمَعُ أَن يُدخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَومِ الصّالِحينَ»، أي المسلمين. فهؤلاء فقط من المسيحيين من يمتدحهم القرآن، ويعدهم بالثواب: «فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالوا جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها، وَذالِكَ جَزاءُ المُحسِنينَ». إذن المديح هنا ليس للمسيحيين، بل لفريق من المسلمين، أولئك الذين كانوا من قبل مسيحيين، أما الذين لم يؤمنوا بالإسلام من المسيحيين، بل بقوا على مسيحيتهم، وبالتالي على كفرهم حسب المعايير القرآنية المحمدية، فـ«الَّذينَ كَفَروا وَكَذَّبوا بِآياتِنا أُولائِكَ أَصحابُ الجحيمِ». فإذن الاستشهاد بهذه الآية بأن للقرآن ثمة موقفا إيجابيا تجاه المسيحيين غير دقيق، وهو يطرح من المسلمين المدافعين عن القرآن، إما عن علم مجانبا للصدق، وإما عن غير علم جهلا وعبر نزعتهم الإنسانية.

ومع هذا هناك مع التسليم بصواب ما جاء في النص «مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالحاً فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ»، فإنه صواب نسبي لا يخلو من ثغرة فلسفية تنتقص من العدل الإلهي والرحمة الإلهية. إذ وبحسب الفهم الفلسفي العقلي المجرد للعدل والرحمة الإلهيين، فإن العنصر المعوَّل عليه عند الله هو الثالث من العناصر الثلاثة، أي (العمل الصالح)، أو بتعبير آخر إنسانية الإنسان وحدها، حتى لو كان ملحدا بسبب أن ذهنه لم يستوعب الأدلة على وجود الله، ومع هذا سلك في حياته سلوكا إنسانيا، مما يجعله محبوبا عند الله وقريبا منه، فالله سبحانه ليس له عقدة تجاه من لم يوصله عقله إلى الإقرار بوجوده. وهنا لا بد من أن أشير إلى أهم ثغرة فلسفية للقرآن – كما هو الحال مع غيره مما يسمى بالكتب المقدسة -، حيث يجعل القرآن الإيمان معيارا للجزاء، بينما الإيمان ليس أمرا اختياريا على الأغلب، وحتى لو كان اختياريا، فليس من إنسان يملك ضمانات للوصول إلى الإيمان بما هو حق وحقيقة وصواب، إلا بشكل نسبي، غير قطعي، وغير نهائي، وغير مطلق، وغير مضمون الصواب.

وسنجد في القرآن كمّاً هائلاً من النصوص ذات الموقف السلبي تجاه غير المسلمين من أتباع الديانات الإبراهيمية المُسمَّين بـ«أهل الكتاب». والتنبيه إلى عدم جواز التعميم والإطلاق شيء جميل، ولكنه مع هذا يختزن أن الأصل في الموقف تجاه من يسميهم القرآن بأهل الكتاب، هو التكفير والإدانة والإقصاء، فهم كفار، ولكنهم الكفار الأفضل من غيرهم، إذ يسميهم «الَّذينَ كَفَروا مِن أَهلِ الكِتاب». وردّ البعض بأن «مِن» هنا في عبارة «من الذين كفروا» إنما تفيد التبعيض، أي المقصود به قسم من أهل الكتاب الذين يصدق عليهم نعت الكفر، فهو لا يغير الكثير من الحقيقة، فالكفر أي عدم الإيمان بسبب عدم الاقتناع وليس بسبب المعاندة، هذا الكفر نفسه لا يوجب العقاب، لكونه غير اختياري، ثم هناك الكثير من الشواهد بأن مصطلح «الذين كفروا» القرآني يشمل جميع من لم يؤمن بالإسلام بلا استثناء.

وفي سورة البقرة نقرأ في الآيتين 256-257

«لا إِكراهَ فِي الدّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ، فَمَن يَّكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى، لَا انفِصامَ لَها، وَاللهُ سَميعٌ عَليمٌ. اللهُ وَلِي الَّذينَ آمَنوا يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَالَّذينَ كَفَروا أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولائِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ».

كثيرا ما يورد المسلمون، أو حتى غير المسلمين من مستشرقين أو عارفين بالإسلام، في الحوارات عبارة «لا إِكراهَ في الدّينِ»، ليستدلوا على عدم تبني الإسلام الإجبار على العقيدة، أو على الالتزام. وفي نفس الوقت هناك فريق من المفسرين وما يسمَّون بعلماء الإسلام المختصين بعلوم القرآن، كالتفسير، وأسباب التنزيل، والناسخ والمنسوخ، وغيرها، أو المختصين بالحديث، والفقه وغيرهما، يقولون بأن آيات التسامح قد نُسِخَت بآيات السيف، ولكن هناك رؤية أخرى تعتبر أن آيات التسامح والسلام والعدل والعقلانية هي التي تمثل جوهر القرآن الثابت، والأخرى تمثل الطارئ المتغير بتغير الظرف الزماني والمكاني. وهي ما تسمى بالمقاصدية. والمشكلة إن مؤلف القرآن ترك المسلمين يتخبطون ذات أقصى اليمين وذات أقصى اليسار، أو أقصى الاعتدال وأقصى التطرف، ولا أحد يستطيع حسم الخيارات المتباينة والمتناقضة أحيانا، إلا بإهمال كل النصوص الدينية، واعتماد العقل الإنساني، والضمير الإنساني، والتجربة الإنسانية، لا غير.
هذا كله إذا اقتصرنا على نص «لا إِكراهَ في الدّينِ»، وكذلك لا مشكلة لدينا فيما بعد هذا النص، فيما جاء في النص 256 من سورة البقرة «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ، فَمَن يَّكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى، لَا انفِصامَ لَها»، مع اعتماد الفهم الأقرب إلى الصواب لكل من مفردات (الرشد) و(الغي) و(الإيمان). وهذا يتطلب التعاطي مع نسبية المفاهيم، بينما نجد أن المعتمدين لمبدأ النسبية من عموم الدينيين، ومن خصوص المسلمين، هم القلة النادرة جدا جدا.
ولكننا عندما نواصل قراءة الآية 257 التالية لها ونقرأ «اللهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَالَّذينَ كَفَروا أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولائِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ»، تتغير الصورة، ويظهر بكل وضوح الموقف المتشنج تجاه غير المسلم ثانية. هذا يتبين لنا بشكل خاص، إذا ما علمنا أن المقصود بالمصطلح القرآني «الذين آمنوا» هم (المسلمون)، وبمصطلح «الذين كفروا» هم (غير المسلمين)، فيمكننا عندئذ قراءة النص على النحو الآتي: «اللهُ وَلِي (المُسلِمينَ) يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَ(غَيرُ المُسلِمينَ) أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولائِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ». لماذا يجب أن يحشر غير المسلمين، أو حتى المسلمون غير الملتزمين، أو المنتمون إلى غير الفرقة الناجية، أو غير المذهب الحق، أو ما شابه، أو غير القائلين بوجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، لماذا يجب أن يُحشَر كل هؤلاء في نار جهنم خالدين فيها، فلا هم ميتون ومستريحون بالموت من العذاب، ولا هم مخفف عنهم العذاب؛ كل ذلك لا لشيء، إلا لأنهم لم تقتنع عقولهم بما أوجب الإسلام عليهم الاعتقاد به، وكأن الاقتناع وعدم الاقتناع أمر اختياري صرف؟
وهكذا هو الأمر مع كل الأديان والمذاهب التي ترى أنها وحدها تمثل الحق والهدى والإيمان، وبالتالي وحدهم أتباعها يستحقون ثواب الله، ونعيمه، وجنته، ورضاه، وقربه، وحبه. سيجيب البعض، إن الإسلام تعامل بمنتهى التسامح مع (الكافرين)، فمنحهم حرية أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، ولكنه لا يمكن أن يجاملهم فيما هو مصيرهم الأخروي، الذي يمثل قرار الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا عن يمينه أو شماله. هناك عدة إشكالات على هذا القول. منها غياب حرية العقيدة، وأدلة ذلك متعددة، منها حكم المرتد، وحكم الجزية على المسيحي واليهودي، وحكم تنجيس الكافر، وحكم اقتصار الاعتراف (المحدود) بأهل الكتاب دون غيرهم. ثم مجرد نعت الآخر المغاير بنعت (الكافر) وعدّه من أهل النار يؤسس لثقافة الكراهة، لأن المؤمن لا يسمح له إيمانه أن يحب من لا يحبه الله حسب فهمه أو حسب فهم الإسلام، ممن غضب عليهم وجعلهم من أهل النار. فالمؤمن الحق الذي لا يحب ولا يكره إلا في الله، عليه أن يُروّض عواطفه كيف تتخذ موقف الرفض والانفصال النفسي تجاه المغاير الديني، بل حتى تجاه المسلم غير الملتزم، والذي لا يُسمّى كافرا بل فاسقا، [ولو إن هناك نصوصا من الأحاديث تعد تارك الصلاة كافرا] في مقابل (المؤمن) كمصطلح قرآني، أو (العادل) كمصطلح فقهي، حيث يقصد بالشهود العدول الشهود المسلمون المتدينون، ويذهب المصطلح الفقهي الشيعي إلى أبعد من هذا ليعتبر الشيعي وحده (المؤمن)، و(العادل)، بينما يُعَدّ السني مسلما (مخالفا) [في مقابل المؤمن]، وغير الملتزم مسلما (فاسقا) [في مقابل العادل]، وربما مواليا فاسقا، فتكون الموالاة لأهل البيت شفيعا لفسقه. وهكذا يَعُدّ متعصبو السنة الشيعة روافض، ويذهب الوهابية إلى أبعد من ذلك بعدهم مشركين وعبدة قبور وأصحاب بدع، وبالتالي فـ«كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وبالنتيجة إن دمهم مهدور.

شارك برأيك

التصنيف
متناقضات القرآننقد الاسلام
تعليق واحد
  • شاكرة نعمة الرحمن
    30 يناير 2020 at 15:47
    اترك تعليقا

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
    ثم قال : ( إن الذين آمنوا ) وهم : المسلمون ( والذين هادوا ) وهم : حملة التوراة ( والصابئون ) – لما طال الفصل حسن العطف بالرفع . والصابئون : طائفة بين النصارى والمجوس ليس لهم دين . قاله مجاهد وعنه : بين اليهود والمجوس . وقال سعيد بن جبير : بين اليهود والنصارى وعن الحسن [ والحكم ] إنهم كالمجوس . وقال قتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون إلى غير القبلة ، ويقرءون الزبور . وقال وهب بن منبه : هم قوم يعرفون الله وحده ، وليست لهم شريعة يعملون بها ، ولم يحدثوا كفرا .
    وقال ابن وهب : أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه قال : الصابئون : قوم مما يلي العراق وهم بكوثى وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما ، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات . وقيل غير ذلك .
    وأما النصارى فمعروفون ، وهم حملة الإنجيل .
    والمقصود : أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر ، وهو المعاد والجزاء يوم الدين ، وعملت عملا صالحا ، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك ( فلا خوف عليهم ) فيما يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ( ولا هم يحزنون ) وقد تقدم الكلام على نظيراتها في سورة البقرة ، بما أغنى عن إعادته

  • اترك تعليقا

    *

    *

    مرتبط

    • مجازر في رحاب الإسلام

      كل الأديان ارتكبت تحت راياتها المجازر، وأغلب الأقوام والحضارات نشأت على الجماجم والدماء، وليست الأراضي والبلدان سوى حدود متحركة وهذه هي طبيعة الحياة والتاريخ، تأتي اقوام وتنقرض أقوام، تنشأ...
    • ذهان محمد

      ذهانية محمد

      اختلف القرآن في المرحلة المدنية عنه في المرحلة المكية اختلافا شديدا في الشكل والمضمون. أما اختلافه في المضمون فهو أمر مفهوم. فالقرآن سجعيات كاهن تتوافق مع أحداث حياته كما...
    • إيمان القرآن بالشعوذة والتعاويذ السحرية

      فسّر الانسان القديم الامراض على أنها ناتجة عن كائنات غيبية. وقد كان للكهنة الدور الأكبر في هذه الفكرة إذ كانوا أصحاب العلم في نظر المجتمعات البدائية. فبينما يهتم باقي...
    • الحج الى مكة طقوس وثنية

      عندما كان الشيطان ممولا من طرف شركة الكوكا كولا اليهودية وقبل تأتي أموال النفط بفضل الصناعة البترولية الانكليزية والأمريكية، كانت مكة مجرد قرية بدوية (صور سنة 1953). بعد ذلك...